محمد كرد علي
137
خطط الشام
بابتزاز أموال الفلاحين التعساء لما فيه مصلحتها ، على حين لا تأتي بدليل على إدراكها وجوب حماية الذين يجب عليهم أن يدفعوا الأموال اللازمة لتحسين حال الولاية ، وسد حاجات الحكومة المركزية ، وإنما تهمل الاحتياط للأمر . وقال أيضا : « إن جو الشام صاف وهواءها جيد وأرضها خصبة حسنة الري ، ففي مكنتها أن تصبر على هذه الحالة أكثر من غيرها من الولايات الأقل خصبا ، ولكن لا بد في آخر الأمر من أن تفرغ هذه الموارد » . آفة الهجرة على الزراعة : ومما أصيبت به الزراعة من الآفات آفة دونها الآفات كلها ، بدأت تدب في جسمها أواخر القرن الماضي بركوب الفلاحين غوارب الاغتراب عن الوطن في التماس الرزق وطرق الغنى . وذلك منذ دهش الناس لأرباح المهاجرة الأول من الشاميين إلى أميركا . أرباح لم يكن لابن هذه الأرض عهد بها وكان ثلاثة وعشرون قيراطا من أربعة وعشرين قيراطا منهم يعيش ، ولا سيما في الأرض القاحلة ، عيش القلة الشديدة . فلم يلبث الناس في الجبال أن حذوا حذو أولئك المهاجرين ، فأخذ الناس ينزحون إلى أميركا الجنوبية والشمالية وإلى اوستراليا وجنوبي إفريقية وغيرها من البلاد المفتتحة حديثا ، حيث يسهل جني المال ، وتزيد أجرة العامل على نفقته كثيرا . وهاجر ألوف أيضا إلى مصر والسودان عقبى الاحتلال الإنكليزي سنة ( 1882 م ) فحرمت الشام في أربعين سنة نحو سبعمائة ألف يد عاملة ، كان ثلثهم يستوطن في الأصقاع التي نزلها ، تمسك بتلابيبه لكثرة علائقه وطيب العيش فيها ، والثلث الثاني يهلك ، والثلث الثالث يرجع . ولم تلبث الهجرة أن عمت جميع السكان ، اقتصرت على أبناء الجبال أولا ، ثم تناولت ابن السهول ، وانتقل الغرام بها من ابن القرية إلى ابن المدينة . ومن جملة ما زاد في عدد المهاجرين سهولة السفر وتأليف شركات للتسفير تسلف المهاجر أجرة طريقه ونفقاته الأولى ريثما يجد عملا حيث ينزل . وهذه الهجرة من أعظم ما أخر حال الزراعة في هذا القطر ، فأصيبت بضربة مهمة أهمها ارتفاع أجور العملة فيها لأن من عاد منهم يحمل مالا ولو